محمد بن علي الشوكاني

5690

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ولا استحقار . وأما مجرد ترك شيء غاية أمره ، ومبلغ وصفه أن يكون سنة غير واجبة ، بل مندوبا ، بل في صدق أحد هذين المفهومين عليه إشكال قد قدمنا تقريره ، فكيف يكون من ترك هذا المسنون ، أو المندوب ، أو الذي لا يصلح لكونه مسنونا أو مندوبا كافرا ! وكيف يجري بمثل هذا قلم ، أو ينطق به فم وإن لم يرد هذا المعنى ، بل أراد أن من لم يكتب [ 6 ] في عنوان كتابه من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان ، بل كتب سيدي ونحوه قد فعل خصلة من خصال الجاهلية ، وتلبس بها ، ولم يكفر ولا فسق فهو غير صحيح ، فإن هذه الخصلة - أعني قول الناس في مكاتباتهم : سيدي ونحوه - لم يكن من خصال الجاهلية ، ولا كانت الجاهلية تفعلها في المكاتبة ، فكيف يقال أن هذا من شعائر الجاهلية ! . نعم قد كانوا يقولون لفرد من أفرادهم السيد وسيدنا حسبما يوجد في كلامهم المنثور والمنظوم ، وهذه بمجردها قد قالها الشارع ، واستعملها غير مرة ، فهي من هذه الحيثية خصلة إسلامية محمدية ، فقد سوغ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إطلاقها فجاز لنا استعمالها في المخاطبة والمكاتبة ، ومن ادعى أنه يجوز استعمالها في البعض دون البعض فهو محتاج إلى الدليل . وهكذا من زعم أنه يراد بلفظ السيد وسيدي في اصطلاح المتأخرين غير ما يريده المتقدمون فهو أيضًا محتاج إلى دليل كما سيأتيك بيانه . نعم ظهر من آخر كلام المعترض - عافاه الله - في هذا الاعتراض أنه يريد الجاهلية التي حدثت من عباد القبور المعتقدين في الأموات اعتقادا يخرجون به عن الإسلام ، كما كان يقع كثيرا من أهل القطر التهامي ، وبعض القطر اليمني ، بل ويقع في كثير من البلاد الإسلامية . ولكن إذا قد تقرر أن الشيء مباح في الشريعة المطهرة فلا يصير باستعمال بعض الطوائف الكفرية له حراما أو مكروها . . قوله : فيه إيهام باستصغار المعصية . . أقول : هذا إنما يتم بعد تسليم أن ذلك معصية كبيرة أو صغيرة ، وذلك غير مسلم ،